بقلم الأديب/محمد الحسيني

ببغاءُ الموت 1
"عَتَبَةُ الظَّلام"

الفجرُ لم يكتملْ بعدُ حين وصلتُ إلى الشقّة،
كان البابُ مفتوحًا على مِصراعَيْه، كفمِّ الهاوية،
والصَّمتُ يلتهمُ المكانَ كوحشٍ جائعٍ.

دخلتُ بخطواتٍ حذِرةٍ، على أطرافِ أصابعي،
كمن يدخلُ معبدًا منسيًّا،
أَضَعُ القُفّازاتِ البيضاءَ على يديَّ،
وأنفاسي تتصاعدُ في الهواءِ الباردِ كأشباحٍ صغيرةٍ.

في الصالون، كانت هي...
مارغريت هاريسون، مربيةُ الببغاواتِ الشهيرةُ،
راقصةُ الكلماتِ على ألسنةِ الريشِ،
مَن أمضت عشرينَ عامًا تُروِّضُ الصمتَ وتُعلِّمُ الطيورَ لغةَ البشرِ...

ممدّدةٌ الآن كدميةٍ مكسورةٍ على أرضيّةِ الصالون،
تغرقُ في بُركَةٍ من دمِها القاني،
عيناها مفتوحتانِ على اتّساعِهما،
تُحدِّقانِ في السقفِ كمن يبحثُ عن إجابةٍ لن تأتي أبدًا.

عنقُها يحملُ آثارَ نقراتٍ عنيفةٍ،
منقورٌ كجذعِ شجرةٍ عتيقةٍ،
والملامحُ... تحملُ نُدوبًا عميقةً،
نُدوبَ الخيانةِ الأخيرةِ.

رفعتُ نظري إلى القفصِ الكبيرِ في زاويةِ الغرفةِ،
حيثُ الظلُّ يتكاثفُ...
كان الببغاءَ الإفريقيَّ الرماديَّ يقفُ على العارضةِ كتمثالٍ من رمادٍ.
ريشُه منفوشٌ، ومنقارُه مُلطَّخٌ بالدماءِ الجافّةِ،
كأنَّه شربَ من نهرِ الجحيمِ حتى الثمالةِ.

حدَّقَ فيَّ بعينيهِ السَّوداوينِ اللتينِ تخترقانِ روحي،
ثمَّ فتحَ منقارَه ببطءٍ مُرعِبٍ...

ما خرجَ منه لم يكنْ صرخةَ طائرٍ،
بل استغاثةَ امرأةٍ مرعوبةٍ،
صدى امرأةٍ تحتضرُ، صوتُ مارغريت نفسِها:
"لِماذا؟... لِماذا تفعلُ هذا بي؟ أنا أحببتُك... أنا..."

ثمَّ سكتَ الببغاءُ فجأةً وأمالَ رأسَه،
كأنَّه يُدرِكُ ثِقلَ ما نطقَ به.

شعرتُ بقشعريرةٍ تسري في عمودي الفقري،
وأدركتُ أنَّ الموتَ في هذه الغرفةِ له ألفُ لسانٍ.
هذا ليسَ مجرّدَ حادثٍ...
هذا شيءٌ أكثرُ قَتامةً.

✍️ محمد الحسيني – لبنان
ببغـاء الموت 2
"شهود الظلام"

بدأتُ التحقيقَ بجمعِ الشهاداتِ، أجمعُها كمن يجمعُ أوراقَ الخريفِ المتناثرة،
أو كمن يجمعُ قطعَ فسيفساءٍ مُحطَّمة.

الجارةُ، السيّدةُ كلارك، امرأةٌ عجوزٌ ترتدي نظّاراتٍ سميكةً ككعبِ زجاجةِ "كوكاكولا"...
أخبرتني أنّها سمعت صراخًا في الليلةِ الماضية، حوالي الساعةِ الحادية عشرةَ مساءً،
قالت وهي ترتجفُ كورقةِ حورٍ،
بصوتٍ يشبهُ صريرَ بابٍ قديمٍ:

 "صراخُ مارغريت سمعتُه، ثم صراخُ الببغاءِ...
لكنه لم يكن صراخًا عاديًا، كان صراخًا بشريًّا،
كأنَّ الطائرَ ابتلعَ روحَها، فصار يتكلّمُ بألمِها،
ويُقلّدُ أوجاعَها..."

سألتُها إن كانت سمعت شيئًا آخر، أيَّ صوتٍ دخيلٍ،
لكنها هزّت رأسَها نفيًا،
وقالت:
 "فقط الببغاء، فقط ذلك الطائرُ الملعون."

توجّهتُ إلى محلّ الطيور، حيث تُباعُ الأرواحُ الملوّنةُ في أقفاصٍ من حديدٍ...
حين علمتُ أنَّ مارغريت قد ابتاعت ببغاءَها قبل ثلاثِ سنواتٍ،
أخبرني صاحبُ المحلّ، رجلٌ نحيلٌ يُدعى فيكتور، وهو يهزُّ رأسَه كغصنٍ يابسٍ فوقه ثمرةٌ:
"كان هادئًا، ذكيًّا،
تعلّم الكلماتِ بسرعةٍ مذهلة،
كلُّ الأغاني القديمة كانت في ذاكرتِه ماركةً مسجّلة.
لم يُبدِ عدوانيّةً قط،
فالببغاواتُ الرماديةُ عادةً ما تكونُ حسّاسة،
لكنها ليست قاتلة..."

سألتُه عن أيِّ سلوكٍ غريبٍ؟
فقال وهو يفركُ ذقنَه:
 "ربما مرةً واحدةً...
رأيتُ الببغاء يحدِّقُ في المرآةِ لساعاتٍ،
كأنّه يتأمّلُ نفسَه أو شيئًا أعمقَ،
ربما شيئًا وراءَ انعكاسِه...
لكن هذا ليس غريبًا تمامًا، فالببغاواتُ ذكيّة."

تنكّرتُ في زيِّ بائعِ أعلافٍ، وزرتُ منزلَ زميلةِ مارغريت السابقة، امرأةً تُدعى إيلين...
كانت متوتّرةً، تفتلُ أصابعَها باستمرارٍ كمن يحيكُ قلقًا لا ينتهي.
أخبرتني بصوتٍ مخنوقٍ أنّ مارغريت تغيّرت في الأشهرِ الأخيرة،
انكفأت على نفسها وأصبحت أكثرَ انعزالًا.
كانت تتحدّث عن الببغاءِ بطريقةٍ غريبة،
كأنَّه يفهمُ أكثرَ ممّا ينبغي...
قالت لي مرّةً:
"الببغاء يعرفُ أسراري،
يفهمُ كلَّ شيء،
كأنّه ليس طائرًا،
بل مرآةٌ تعكسُ دواخلي..."

لم أعد أعرفُ إن كانت مارغريت تعاني من شيءٍ ما،
من جنونِ عظمةٍ مثلًا، أو من شيءٍ أعمق...
جمعتُ الشهاداتِ وجلستُ قبالةَ صورةٍ لم تكتمل،
وفي قلبي حقولُ شكٍّ تنبتُ كعُشبٍ بريٍّ.

✍️ محمد الحسيني – لبنان

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بقلم الأديبة /رضا العزايزة

بقلم الأديب /محمود عمر ابو فراس

الشاعر / حسن علي النشار