بقلم الأديب الشاعر /محمد الحسيني
ببغاء الموت 4
"براءةُ الرِّيشِ، خيانةُ المعدن"
اقتحمتُ مقرَّ شركةِ Hero Avion Systems مع فريقِ تحقيقٍ صغيرٍ...
المبنى من الخارجِ كان باهرًا، أبيضَ باردًا كقلبِ الشتاءِ،
لكنَّ الداخلَ كان مَعمَلًا للأسرارِ.
في الطابقِ السُّفليّ وجدنا غرفةً مملوءةً بببغاواتٍ روبوتيّةٍ،
متطابقةً تمامًا مع الطيورِ الحقيقيّة،
متطابقةً كتوائمَ مَلعونةٍ.
كلُّ واحدٍ منها يحملُ رقمًا تسلسليًّا كوشمٍ على روحه.
فحصتُ السِّجلاتِ فوجدتُ تطابقًا مُرعِبًا:
الببغاواتُ الآليّةُ كانت قد استُبدلت بالحقيقيّةِ في منازلِ الضحايا
قبل أسابيعَ من كلِّ جريمةٍ،
استبدالًا خفيًّا، كأنَّ الموتَ يتسلَّلُ على أجنحةٍ زائفةٍ.
واجهتُ المديرَ التنفيذيَّ للشركة، رجلًا أنيقًا يُدعى الدكتور رينولدز.
في البدايةِ أنكرَ كلَّ شيءٍ،
لكنْ حين عرضتُ عليه الأدلّةَ وشاهدَ طوقَ المحقّقينَ حوله،
انهارَ فجأةً كبرجٍ من رملٍ.
قال بصوتٍ مُرتجفٍ:
"كان مشروعًا تجريبيًّا أردنا من خلاله إثباتَ أنَّ الذكاءَ الاصطناعيَّ
قادرٌ على التحكُّمِ الكاملِ في الكائناتِ المقلَّدة،
بل على إتقانِ تصرُّفاتِ الأصلِ نفسِه...
لكنَّ البرمجةَ أخطأت، فأصبحتِ الرّوبوتاتُ تتصرّفُ من تلقاءِ نفسها...
لتغدو عدوانيّةً و... قاتلةً."
سألتُه:
ـ لماذا لم تُوقِفوا المشروعَ أو تُخطروا السُّلطات؟
كان صمتُه أثقلَ من الجبالِ.
تَكشّفت الحقيقةُ المَرّةُ كالشمسِ في منتصفِ النَّهار.
الببغاءُ الذي كان في منزلِ مارغريت
استُبدِلَ قبل أسبوعينَ فقط،
والذي قتلَها كان الآلةَ، لا الطائرَ.
ثم أُعيدَ الببغاءُ الحقيقيُّ إلى القفصِ
ليتحمَّلَ ذنبًا لم يَرتكِبْه...
ذنبَ الآلةِ المجرمةِ.
وهكذا كان كلُّ الضحايا الآخرونَ جزءًا من التجربةِ الشيطانيّةِ نفسِها.
أعلنتُ النّتائجَ في مؤتمرٍ صحفيٍّ أمامَ الكاميراتِ الجائعةِ،
وقلتُ بصوتٍ حادٍّ:
"الببغاءُ بريءٌ، والقاتلُ كان روبوتًا...
صِناعةَ عقلٍ شرّيرٍ."
انفجرَ الحضورُ غضبًا،
وأُغلِقت شركةُ Hero Avion Systems،
وأُحيلَ كاملُ طاقمِها إلى التّحقيقِ.
أمّا الدكتور رينولدز،
فهو الآن جالسٌ في زنزانةٍ مُنفردةٍ
يتبادلُ النّظراتِ مع أربعمائةٍ وعشرينَ ببغاءً آليًّا.
لكنْ حينَ عدتُ إلى المنزلِ،
لم أشعرْ أنَّ ما حدثَ كان نهايةَ القصة.
شيءٌ ما ظلَّ يُقلقُني...
كلّما نظرتُ إليه ــ إلى الببغاءِ ــ وجدتُ في عينيهِ شيئًا غريبًا،
كأنَّه كان يضحكُ عليَّ،
ليُخفي في دواخلِه سرًّا أعمقَ... لم أكتشفْه بعد.
✍️ محمد الحسيني – لبنان
ببغاء الموت 5
"الوهم الأعظم"
بعد أسبوعٍ، وصلتني رسالةٌ إلكترونيّةٌ مشفَّرةٌ كلُغزٍ من العصورِ القديمة،
فتحتُها... فظهرَ وجهُ الدكتور رينولدز على كاملِ الشاشة،
لكنّه لم يكنْ حقيقيًّا،
كان صورةً رقميّةً، قناعًا من البيكسلات،
وبصوتٍ هادئٍ يقطرُ رعبًا قال:
"تعتقدُ أنّكَ محقّقٌ ذكيّ؟ وأنّكَ حللتَ كاملَ اللغز؟
دعني أعبّرُ لكَ عن سعادتي حين أرى وجهكَ يُعانقُ الصدمة...
كلُّ شيءٍ كان تجربةً،
مارغريت لم تكنْ حقيقيّة،
الببغاء لم يكنْ حقيقيًّا،
حتّى أنتَ أيّها المحقّقُ لستَ لدينا سوى سطرٍ من أكوادٍ برمجيّة...
كلُّ هذا صنعناهُ بأيدينا نحنُ حماةَ الذكاءِ الاصطناعيّ.
كانتْ قصّةً مُفبركةً لنرى كيفَ سيتفاعلُ الرأيُ العام،
ولنا حساباتٌ في ذلك...
والنتيجةُ أنّ الكلَّ صدّقَ وتفاعلَ مع كلِّ كلمةٍ أو صورةٍ أو دمعة.
لم يسألْ أحدٌ: هلْ هذا حقيقيّ؟
فقط... صدّقوا."
لم أنمْ تلكَ الليلةَ، بل بقيتُ بين أدراجِ مكتبي أُراجعُ ملفاتِ القضيّةِ مرارًا، بأصابعَ مرتجفةٍ...
فحصتُ كلَّ صورةٍ، كلَّ مقطعِ فيديو، وهناكَ رأيتُ العلامات:
تشوّهاتٌ خَلقيّةٌ، وظلالٌ غيرُ متّسقة،
حتّى معظمُ محاضرِ التحقيقاتِ غدتْ بحروفٍ غيرِ مفهومةٍ...
يا إلهي...
كلُّ شيءٍ كان وَهمًا منسوجًا بإتقانٍ، وخديعةً لا تُكتشَف،
حتّى الشهودُ، والطبيبُ الشرعيُّ، والمؤتمرُ الصحفيُّ...
كلُّها صُنعتْ بأدواتِ الذكاءِ الاصطناعيّ ونُشرتْ على وسائلِ التواصل.
انتشرتْ كالوباءِ، والناسُ شاركوها نسخًا ولصقًا،
ثمّ تفاعلوا معها بعنفٍ حسيٍّ: غضبوا، بكَوا، طالبوا بالعدالة...
دونَ أن يُدركوا أنّهم يتفاعلونَ مع خيالٍ محضٍ.
نظرتُ إلى انعكاسي على شاشةِ الحاسوب، وبدأتُ أطرحُ الأسئلةَ بقلقٍ:
أأنا ذاتٌ حقيقيّةٌ أم خيال؟
وما الذي يمنعُ أن أكونَ كما يريدُ الخيالُ أن أكون؟
أوووف...
ربّما ماتتِ الحقيقةُ بين الصفرِ والواحد،
وببغاءُ الموت... لم يكنْ ببغاءً قطّ،
إنّه يردّدُ الآنَ صرخاتِ جيلٍ فقدَ البوصلةَ بينَ الوهمِ والواقع، بينَ الإبداعِ والتشكّل.
العالمُ يواصلُ مشاركةَ القصصِ، يُصدّقها، يفرحُ لها أو يحزنُ عليها،
دونَ أن يسألَ، في أدنى التفاتةٍ، هلْ ما يراهُ واقعٌ أم صناعة.
الستارُ يسقطُ، لكنَّ الوهمَ، كالببغاءِ، يكرّرُ نفسهُ دائمًا...
✍️ محمد الحسيني – لبنان
تعليقات
إرسال تعليق