بقلم الأديب الشاعر/عبد الصاحب الأميري
مسرحية قصيرة جدا
الموت ببراعة
السفير عبدالصاحب أميري
عبدالصاحب الأميري
& & & & & & & & & & & &
اعلم…
قد يأتي يوم
تكتشف فيه
أنّك لم تكن تعيش حياتك
بل تؤدي دورًا فيها.
وأنّ ما حسبته قدراََ
لم يكن سوى لعبةٍ
تُدار في مكانٍ آخر.
لقد تبدّل كلّ شيء.
الحياة لم تعد حياة،
بل سلعة
مصطفّة على رفوف العالم،
تتداولها الأيدي الخفية
كما تُتداول العملات.
الأقويّاء يساومون،
ونحن
ندفع الثّمن.
(ينظر إلى الجمهور طويلًا)
أنت…
لا تبحث عمّن أعني.
أنت المقصود.
جئت لتشاهد مسرحيّة،
لتقضي ساعةً من الفراغ
في مقعدٍ وثير.
لكن العرض
بدأ قبل أن تنتبه.
منذ جلست هنا
دخلت المشهد.
لم تعد متفرّجا.
صرت
أحد الممثلين.
إن أردت المغادرة
فالباب ما زال مفتوحًا.
أما إن بقيت
فربّما لمحت
ما يجري خلف الكواليس.
هناك
تُصاغ الحكايات
قبل أن تتحول
إلى دمٍ على الطّرقات.
هناك
تُرسم المصائر
ببرودة حساب.
قد تجد هناك
جوابًا لأسئلةٍ
أرهقت روحك.
أو قاربًا
ينقذك من الغرق.
وقد تعود
كما دخلت…
خائبًا
ومكسورًا.
أنا لا أعلم.
فأنا
لست سوى ممثّل.
أتقاضى أجرًا
لأنطق بما يُملى عليّ.
إن خرجت عن النّص
عوقبت.
ولدي أطفال
ينتظرون
خبز المساء.
لهذا
أبقى داخل الدّور.
أنا بريء من هذا النّص
ومن كلّ حرف فيه.
براءتي منه
كبراءة الذّئب
من دم يوسف.
واللّه يشهد.
أُعطيت الدور…
لكن النهاية
حُجبت عني.
أتلقّى الجمل
همسًا
من الملقّن.
ومع ذلك
صار واضحًا لي
شيء واحد:
الحروب
لا تولد صدفة.
الحروب
صناعة.
صفقات
تُوقَّع بالحبر
وتُنفَّذ بالدّم.
يبكون على الضّحايا
نهارًا،
ثم يهيئون
الدّفعة التّالية
مع حلول الّليل.
الحرب
فنّ أيضًا…
لوحة
ترسمها المدافع.
ورقصة
يؤدّيها القادة
على إيقاع الخراب.
أما نحن…
أنا
وأنت الجالس أمامي…
فنحن
قطع الشّطرنج.
(صوت قذائف)
هل سمعتم؟
لا تفزعوا.
هذه
موسيقى المشهد الأخير.
صراخ النّساء…
صفير سيارات الإسعاف…
ارتطام الأجساد بالأرض…
كلّها
مؤثّرات العرض.
(يتمايل)
أشعر بثقلٍ
يجتاح جسدي…
إن سقطت
فذلك
خارج النّص.
لكنّني لن أخرج عنه.
لا أستطيع.
هناك
ستّة أطفال
ينامون
على وعد راتبي.
(يتماسك بصعوبة)
ابقوا في أماكنكم.
لا تتركوا مقاعدكم.
العرض
لم ينته بعد.
مكانكم آمن…
هكذا أقول لأطفالي
كلّما بدأ القصف.
أضمهم إلى صدري
وأهمس:
إن نجونا
ننجو معًا.
(ينظر إلى الجمهور طويلاً)
بعد قليل
سيغلبكم النّعاس.
ربّما كان هذا
تجريبًا مسرحيًا جديدًا.
وعندما تستيقظون…
ستدركون حقيقةً
واحدة فقط:
أنّكم لم تكونوا
تشاهدون المسرحيّة.
بل…
كنتم
الخشبة.
(يسقط الممثّل أرضًا)
صوت من الظّلام:
لقد أدّى دوره…
ببراعة.
(صمت طويل)
تنطفئ الأنوار.
ستار
السفير عبدالصاحب أميري العراق
عبدالصاحب الأميري
تعليقات
إرسال تعليق