بقلم الأديبة الشاعرة /ليلى رزق
صَاحِبَةُ الأَسْرَار
هَا أَنَا كُنْتُ وَمَا زِلْتُ سِرّاً قَدِيماً..
قَبْراً تُدْفَنُ فِيهِ الذِّكْرَيَاتُ.
أَنَا قَدِيمَةٌ قِدَمَ الزَّمَانِ..
مُنْذُ خُلِقْتُ وَأَنَا أَحْمِلُ الأَسْرَارَ.
يَرَانِي النَّاسُ قَبْراً قَدِيماً مِنْ طِرَازٍ كَلَاسِيكِيٍّ،
يَحْمِلُ الْجَمَالَ وَالْفَخَامَةَ وَالرُّقِيَّ.
يَقِفُ الْجَمِيعُ أَمَامِي مُتَأَمِّلِينَ..
كَيْفَ صَمَدْتِ لِسِنِينَ مَدِيدَةٍ؟
يَظْهَرُ هَذَا السُّؤَالُ فِي أَعْيُنِهِمْ جَمِيعاً مُتَرَقِّبِينَ،
فِي انْتِظَارِي أُجِيبُ.
وَفِي يَوْمٍ يُعَدُّ لَحْظَةً فِي عُمْرِ الزَّمَنِ،
ظَهَرَ خَيَالُ إِنْسَانٍ ظَنَنْتُهُ يُرِيدُ أَنْ يَسْكُنَ الْقَبْرَ الْجَمِيلَ،
لَكِنَّهُ غَفَا غَفْوَةً وَفَاقَ سَرِيعاً وَهَرَبَ مُسْرِعاً..
لَمْ يُطِقْنِي.. إِنَّهُ لَا يَتَحَمَّلُ رَائِحَةَ الْمَاضِي!
فَأَنَا أُحَافِظُ عَلَى ذِكْرَيَاتِ النَّاسِ عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ،
فِي كُلِّ رُكْنٍ فِيَّ تَخْتَبِئُ ذِكْرَى أَوْ رُبَّمَا فِكْرَةٌ.
وَفِي غَفْوَتِهِ رَأَى أَحْلَاماً كَثِيرَةً أَزْعَجَتْهُ كَثِيراً،
فَقَرَّرَ الْهَرَبَ وَمَا زِلْتُ أَنَا فِي مَكَانِي..
أَحْمِلُ أَحْلَامِي الصَّغِيرَةَ فِي صَدْرِي،
وَأَحْمِلُهُ فِي قَلْبِي وَجَعاً.. وَجَعاً يَسْكُنُ الضَّرِيحَ،
وَكَمْ هُوَ مُرِيحٌ.. فَأَنَا صَاحِبَةُ الأَسْرَارِ،
وَهُوَ صَاحِبُ السِّرِّ الْعَمِيقِ.
فَلَا تَقْلَقْ أَيُّهَا الْقَبْرُ الْجَمِيلُ،
فَصَاحِبُ السِّرِّ فَقَطْ كَانَ مُجَرَّدَ حُلْمٍ صَغِيرٍ،
وَأَنَا مُجَرَّدُ مُمَثِّلَةٍ أُجَسِّدُ فِيهِ الأَدْوَارَ..
كُنْتُ فِي الْبِدَايَةِ طِفْلَةً شَقِيَّةً.. وَفِي وَسَطِ الْحِكَايَةِ امْرَأَةً جَمِيلَةً،
وَفِي النِّهَايَةِ نَبَتَتْ فَوْقَ الْقَبْرِ وَرْدَةٌ رَقِيقَةٌ تَمْتَزِجُ فِيهَا الأَلْوَانُ.
أَنَا الْقَبْرُ الْعَتِيقُ، لَا يَسْكُنُهُ أَحَدٌ فَهُوَ مِلْكٌ لِلْجَمِيعِ،
مَنْ يُرِيدُ الْخُلُودَ يَضَعُ ذِكْرَيَاتِهِ بِحِرْصٍ شَدِيدٍ،
وَمَنْ يُرِيدُ الْبُكَاءَ يَأْتِينِي وَيَجْلِسُ أَمَامِي فَيَرَى نَفْسَهُ تَتَحَرَّكُ فِي الْمَاضِي وَيَرَى كُلَّ مَنْ فَارَقَ،
وَمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَفْرَحَ يَأْتِينِي وَيَقِفُ أَمَامِي فَيَرَى أَفْرَاحَهُ تَتَحَرَّكُ فَيَبْتَسِمُ وَيَرْحَلُ.
فَأَنَا صَاحِبَةُ الأَسْرَارِ..
لَا أَعْلَمُ شَيْئاً وَلَا أَفْقَهُ شَيْئاً سِوَى الذِّكْرَيَاتِ،
فَأَنَا نَفْسِي أَصْبَحْتُ مَاضِياً وَفَاتَ..
رُبَّمَا خَالِدَةٌ فِي ذِكْرَى أَحَدِهِمْ،
رُبَّمَا فِكْرَةٌ أَبْدَعَهَا أَحَدُهُمْ،
رُبَّمَا نَظْرَةُ نَدَمٍ فِي عَيْنِ دَمْعَةٍ،
رُبَّمَا كُنْتُ فِي يَوْمٍ كَلِمَةً وَاحِدَةً.
مَنْ أَكُونُ أَنَا؟..
أَنَا السِّرُّ الْقَدِيمُ..
أَنَا الذِّكْرَى الْخَالِدَةُ.
تعليقات
إرسال تعليق