بقلم الكاتب /بلعربي خالد

قصة قصيرة: التشييء Objectivation

بعض الأعمال لا تُروى من أجل الترفيه، بل تُكتب لتضعنا أمام مرآةٍ قاسية تعكس ما قد نصبح عليه حين تُختزل قيمة الإنسان في ما يقدّمه من منفعة. هذا النص هو محاولة أدبية لاستحضار عالمٍ يتآكل فيه الشعور، ويذوب فيه الفرد داخل منظومةٍ ترى البشر أدواتٍ قابلة للاستخدام والاستبدال.
استلهمتُ هذه القصة القصيرة من الفيلم القصير الشهير "التوظيف" للمخرج الأرجنتيني سانتياغو غراسو، ذلك العمل الذي قدّم بصمتٍ بصريٍّ مذهل صورةً مكثفة عن التشييء الإنساني. ومن خلال هذه القصة، سعيتُ إلى توسيع تلك الفكرة، ومنحها صوتاً داخلياً يكشف ما وراء الوجوه الجامدة والأدوار المفروضة.
إنها ليست قصة عن الخيال فقط، بل عن واقعٍ قد نعيشه بأشكال مختلفة، حين يتحول العمل من وسيلة للكرامة إلى أداة لطمسها، وحين يصبح الإنسان مجرد وظيفة.

عالَمٌ تُقاس فيه القيمة بالمنفعة

في مدينةٍ بلا ضجيج، حيث يسير الناس كأنهم أجزاءٌ في آلةٍ واحدة، كان كل شيء يؤدي وظيفة، حتى البشر أنفسهم. لم يعد أحد يُنظر إليه بوصفه روحاً أو كائناً مستقلاً، بل كأداةٍ صامتة تخدم غيرها في نظامٍ بارد لا يعرف الرحمة.
استيقظ عامر ذات صباح على صفيرٍ منتظم يصدره رجلٌ يقف بجوار سريره كمنبّهٍ بشري. فتح عينيه ببطء، ضغط على كتف الرجل ليتوقف، ثم نهض متجهاً إلى المطبخ. هناك، كان إفطاره موضوعاً فوق ظهر رجلٍ آخر اتخذ هيئة طاولة، منحنياً على أربع بلا حركة. جلس عامر، تناول قهوته بصمت، ثم التقط معطفه من فوق كتفي امرأةٍ تؤدي دور الشماعة.
للحظة، شعر ببرودة كتفها تحت أصابعه، وتساءل في سرّه: هل ما زالت تشعر؟ أم أن السنوات نزعت عنها حتى الإحساس؟
لكنه طرد الفكرة سريعاً. ففي هذا العالم، الأسئلة لا تُنتج، والإنتاج هو القيمة الوحيدة.
خرج إلى الشارع، فرأى إشارات المرور البشرية معلقةً فوق التقاطعات، يفتحون معاطفهم لتظهر ألوانٌ حمراء وخضراء، بينما تحوّل آخرون إلى مقاعد في الأرصفة، أو وسائل نقل يحملون الناس على ظهورهم.
لم يعد أحد يندهش. الغريب الوحيد أن تتصرف كإنسان.
وصل عامر إلى مقر عمله، وصعد عبر “المصعد البشري”، رجلٌ ضخم مربوط بحبال يرفع الركاب بطاقته العضلية. كان المصعد ينظر إلى من يحمله لا كأشخاص، بل كحمولة تُقاس بالوزن.
في الطابق الأعلى، مرّ عامر بين مكاتب يجلس فيها الموظفون على كراسٍ بشرية، ويكتبون فوق ظهور طاولات بشرية. بعضهم كان في الصباح يؤدي دوراً آخر. هنا تتبدل الوظائف، لكن لا يتبدل النظام. من يُستخدم اليوم، يستخدم غداً. وهكذا ماتت فكرة التغيير، لأن الجميع يظن أن العدالة تكمن في تبادل الأدوار، لا في كسرها.
ثم وصل عامر إلى موقعه.
أمام باب المدير.
خلع معطفه، رتّب هندامه، ثم استلقى على الأرض بهدوء.
كانت وظيفته أن يكون سجادةً بشرية.
يمد جسده على العتبة، ساكناً، ثابتاً، ليعبر المدير فوقه ويمسح حذاءه الملطخ بالطين على ظهره كل صباح. ومع مرور السنوات، أتقن عامر دوره حتى صار يفتخر بصلابة “نسيجه البشري”، وبقدرته على التحمّل دون اهتزاز.
تخدّر جسده، تعوّد على العتمة، وعلى رؤية العالم من مستوى الأرض. حتى قلبه كاد يتوقف عن الإحساس، وصار صفير المنبه البشري هو الشيء الوحيد الذي يذكّره بأن الحياة ما زالت مستمرة.
وفي أحد الأيام، هبت عاصفة عنيفة على المدينة. حملت الرياح معها طيناً كثيفاً، وبدأت الأمطار تضرب النوافذ. في الخارج، كانت إشارات المرور البشرية تتمايل بصعوبة، بينما انحنت المقاعد البشرية أكثر تحت ثقل الماء.
دخل المدير غاضباً.
هذه المرة، لم يكتفِ بمسح حذائه على ظهر عامر، بل أخذ يضرب الأرض بقدمه بعنف، صارخاً في السكرتيرة التي كانت تؤدي دور الطاولة أن تُحضِر ملفاً عاجلاً.
في زاوية الغرفة، كانت المرآة البشرية تراقب المشهد بعينين جامدتين.
ثم دوّى صوتٌ حاد.
صوت يشبه انكسار خشبٍ يابس.
تجمّد الجميع.
تحت قدم المدير، انهار ظهر عامر.
عموده الفقري، الذي حمل لسنوات أقدام الآخرين، لم يعد يحتمل.
لم يكن انهياراً عاطفياً. لم يصرخ، لم يبكِ، لم يطلب النجدة.
كان انهياراً ميكانيكياً خالصاً.
التفّ جسده على نحوٍ مأساوي، ووجهه التصق بالأرض، غير قادرٍ على الاحتفاظ بشكل السجادة الذي طالما تميّز به.
ساد صمتٌ ثقيل.
توقفت السكرتيرة.
تجمّدت المرآة.
حتى الخارج بدا كأنه توقف.
لكن المدير نظر إلى الأسفل ببرود، ثم قال:
"أحضروا لي واحدة جديدة… هذه قد بليت."
لم يكن في صوته أسف، ولا غضب، ولا حتى انزعاج.
فقط تقريرٌ عن أداة فقدت صلاحيتها.
حُمل عامر بعيداً كما تُحمل قطعة أثاثٍ مكسورة، وذراعاه تتدليان بلا مقاومة. مرّ عبر الممرات التي خدم فيها سنوات، لكن أحداً لم ينظر إليه كرجلٍ سقط.
بل كشيءٍ انتهى عمره الافتراضي.
في الخارج، غسلت الأمطار الطين عن حذائه القديم الملقى جانباً، وكأنها تمنحه للمرة الأخيرة شيئاً من الكرامة.
وفي العربة المعدنية التي حملته بعيداً، فتح عامر عينيه نصف المفتوحتين نحو السماء الرمادية.
ولأول مرة منذ زمن، شعر بشيء.
لم يكن ألماً.
بل راحةً غريبة.
راحة من لم يعد مضطراً لأن يكون شيئاً.
وبينما كانت العربة تبتعد وسط المطر، خرجت من بين شفتيه همسة بالكاد سُمعت:
"كنتُ… إنساناً."
لكن المدينة لم تسمع.
كانت منشغلة بالبحث عن سجادةٍ جديدة.

الكاتب بلعربي خالد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بقلم الأديبة الشاعرة /رضا العزايزة

بقلم الأديب الشاعر /د. حسن ذياب الخطيب الحسني الهاشمي

الشاعر / حسن علي النشار