بقلم الأديبة/ عبير جلال
غريبة في مرآتي
في صباح هادئ، تسللت خيوط الشمس على استحياء إلى غرفتي، فأيقظتني من نوم كنت فيه أسيرة أحلامي. ترامى إلى سمعي صوت العصافير تغرد أنشودة الصباح،
إستيقظت وكلي أمل ونشاط.
ارتديت ملابسي ونظرت في مرآتي كعادتي كل صباح، ولكن هذا الصباح كان مختلفًا بالنسبة لي، شعور يراودني بذلك.
نظرت في مرآتي، أتأمل وجهي، فأخذتني الدهشة. تأملت وجهي طويلًا، أنظر إلى ملامحي وكأني أراها لأول مرة. كانت المرآة صادقة أكثر مما ينبغي، إنها لا تجامل ولا تخفي شيئًا. رأيت خطوطًا قد رسمها الزمن على وجهي، وندوبًا شعرت بها في روحي، وتلك الخصلات البيضاء التي انتشرت في شعري، وتركتها الأيام على رأسي.
سألت نفسي في دهشة: أهذه أنا؟
أين تلك الفتاة العفوية التي كانت تحلم وتجري وراء أحلامها بكل تلقائية؟ أين ضحكاتها التي كانت تملأ المكان؟ أين تلك العيون التي كانت تنظر إلى الزمن بكل أمان؟ كانت ترى العالم بريئًا وأكثر جمالًا مما هو عليه الآن.
نظرت أكثر، فرأيت وجوهًا كثيرة تسكنني، وغيرت ملامحي.
رأيت طفلة صغيرة حلمها الأمان، تبحث عن حضن دافئ تختبئ فيه من قسوة الحياة.
رأيت فتاة جميلة رقيقة تحمل بين يديها باقة من الأحلام البسيطة، وكانت تظن أن الحياة سوف تحققها لها.
رأيت امرأة وقد خارت قواها، وأنهكتها الأيام، ولكنها ما زالت صامدة أمام رياح الغدر والخذلان.
مددت يدي أتلمس تلك الفتاة التي تسكن المرآة، فوجدتها بعيدة جدًا، لا أستطيع العودة إليها ولو للحظة، لأخبرها أن الحياة صعبة وليست سهلة كما تخيلت، وأن طريق الأيام مليء بالجراح، وأن تلك الجروح تأتي ممن كنا نظن أنهم الأمان.
تراجعت إلى الخلف خطوة، فشعرت أن بيني وبين صورتي آلاف الأميال، مسافة كبيرة جدًا، وعمرًا طويلًا محملًا بالذكريات.
لم أعد أعرف أين الحقيقة: أنا التي تقف أمام المرآة؟ أم تلك التي تركتها السنوات خلفها على طرقات الذكريات؟
في تلك اللحظة، تسللت إلى ذاكرتي وجوه كثيرة أحببتها وتعلقت بها، وظننت أنها لن ترحل، وستبقى معي إلى الأبد.
ولكنها رحلت دون استئذان، تاركة جروحًا لن يمحوها الزمن، وتركت القلب فارغًا لا يملؤه أحد حتى الآن.
تذكرت أيامًا كنت أضحك فيها من القلب، وكان كل من حولي يحسدني على تلك الضحكات. كان عندي أمل أن الحياة سهلة وبسيطة، صفحة بيضاء أرسم فيها أحلامي الرقيقة، لكن الحياة هي التي كتبت سطورها بأحداث لم أتوقعها أبدًا.
نظرت إلى مرآتي، فإذا العمر يجري أمامي. اكتشفت أن العمر لا يقاس بعدد السنوات، ولكنه يقاس بما تركه الزمن من أوجاع وأحزان.
رأيت الشيب وقد زين رأسي، ورأيت الألم مختبئًا خلف عيوني، ورأيت حزنًا قديمًا ما زال يسكن حنايا قلبي.
لكني رأيت شيئًا آخر.
رأيت امرأة انتصرت على كل تجارب الحياة.
رأيت قلبًا كُسر مرارًا، وتعلم كيف
يشفي جراحه ويجمع شتاته بنفسه.
رأيت روحًا أرهقتها معارك الحياة، ولكنها لم تتنازل
ولم تستسلم لتلك القسوة.
ابتسمت ابتسامة هادئة، برغم الدموع
التي تجمعت في عيوني.
لأول مرة أشعر أن المرآة ليست عدوي اللدود، وأنها لم تذكرني فقط بما مررت به، ولكنها تخبرني بكل ما مر بي من خذلان، وأحلام ماتت تحت أقدام الأيام.
كل خط على وجهي يحكي قصة، وكل شعرة بيضاء تروي فصلًا من رواية رحلة طويلة، وكل دمعة تساقطت من عيوني جعلتني أقوى، أقوى من المستحيل ذاته.
اقتربت من المرآة أحدثها في هدوء:
لم أعد غريبة عنك.
ابتسم انعكاس صورتي برقة
، وكأنه كان ينتظر ذلك الحديث منذ زمن بعيد.
أدركت أخيرًا أنني لست تلك الطفلة البريئة، ولا تلك الفتاة الحالمة، ولا تلك المرأة المتعبة.
إنني جميعهن معًا.
أنا كل تلك التجارب والذكريات.
أنا سنوات الفرح والحزن.
أنا الأحلام التي تحققت، وتلك التي لم تتحقق
وضاعت في طريق الأيام.
أنا الوجوه التي بقيت، والوجوه التي رحلت.
أنا الجروح التي أخفيها، والقوة التي اكتسبتها من الحياة.
أغمضت عيوني بعض الوقت، ثم فتحتها من جديد.
كانت المرآة كما هي، لكنني لم أعد كما كنت.
لست الفتاة التي ضاعت بين الماضي والحاضر.
لم أعد أبكي على العمر الذي مر.
فحتى الآن ما زالت في القلب أحلام جميلة لم تمت.
وما زالت روحي قادرة على الحب والحياة.
على العطاء والتضحيات.
على حب كل من حولي.
غادرت مرآتي بلطف، وأنا أعلم أن الزمن أخذ مني أحلامًا كثيرة كنت أتمناها، ولكنه منحني أشياء أثمن من تلك الأحلام.
منحني نفسي وحبي لها.
منحني القوة والقدرة على تحدي كل الصعوبات.
منحني الأمل الذي أحلم به دائمًا.
منحني العطاء دون مقابل.
منحني وقار السن وجماله.
إنها مرآتي... صديقة رحلة حياتي،
بقلم عبير جلال،، الاسكندرية
٢٣/٦/٢٠٢٦
تعليقات
إرسال تعليق