بقلم الأديبة /عبير جلال
البيت الذي بكى أمي
لم أكن وحدي من بكى أمي...
كان البيت كله يبكيها.
بعد انتهاء مراسم توديع أمي إلى مثواها الأخير، وبعد أن واريناها التراب، وقفت أمام قبرها أدعو لها بصوتٍ مخنوق
من شدة البكاء، وقلبٍ ينتحب على فراق
أحنِّ قلب عرفته في حياتي.
أسندت رأسي إلى قبرها، أحاول أن ألتقط منه آخر لمسة
من حنانها الذي فقدته، فإذا بقطرات المطر تهبط برفق،
وكأن السماء تشاركني البكاء.
تماسكت بصعوبة ورحلت...
تركت أمي هناك.
ولا أعلم حتى الآن...
هل كانت هي الوحيدة في قبرها؟
أم كنت أنا الوحيدة التي تُركت بعدها في هذه الدنيا؟
عدت إلى المنزل...
كان كل شيء ساكنًا.
صمتٌ غريب يملأ المكان، وكأن الحياة خرجت
منه مع خروجها الأخير.
وضعت مفتاحي في الباب، فإذا به يرفض أن يفتح.
تذكرت أنه كان يفتح دائمًا على يد أمي.
كان ذلك الباب يفرح كلما سمع وقع خطواتها، ويتهيأ لاستقبالها، وكأنه يعرف أن الدفء قد عاد إلى البيت.
وحين انفتح أخيرًا...
دخلت بخطواتٍ ثقيلة، وألقيت بجسدي على الكرسي.
كان كرسيها المقابل ينظر إليَّ في صمت،
كأنه ينتظر أن تأتي فتجلس عليه كعادتها.
رفعت بصري إلى الساعة المعلقة على الحائط،
فإذا بعقاربها قد توقفت.
لا أدري، أكانت قد تعطلت فعلًا...
أم أنها أعلنت الحداد على رفيقة عمرها.
فكم استيقظت أمي على دقاتها، وكم رتبت يومها على إيقاعها، وكم أنهت أعمالها وهي تراقب عقاربها.
أما اليوم...
فقد صمتت.
وكأن الزمن نفسه رفض أن يتحرك بعد رحيلها.
دخلت غرفة أمي.
جلست على سريرها.
ما زال يحتفظ بدفء جسدها، وكأنها نهضت عنه منذ لحظات.
أما الوسادة...
فما زالت تحتفظ بملامح رأسها،
التي كانت تستريح عليها كل ليلة.
والغطاء...
لا يزال يحمل رائحتها...
رائحةً لا تشبه إلا الأمهات.
نظرت إلى الطاولة.
وجدت فنجان قهوتها في مكانه، وما زالت بقايا القهوة فيه، لكنها أصبحت باردة...
باردة كقسوة الغياب.
مددت يدي إلى مصحفها.
لامست صفحاته برفق، فوجدته مفتوحًا
عند آخر سورة قرأتها.
شعرت أن الكلمات ما زالت دافئة،
وكأن صوتها لم يغادر المكان بعد.
حتى حذاؤها ظل في مكانه، صامتًا في حداد على رحيل صاحبته، كأنه ينتظر أن تعود قدماها لتخطوا به كما اعتاد.
التفتُّ نحو النافذة.
كانت دائمًا تفتح عينيها على الطريق، تراقب المارة والسيارات، وتنتظر عودتنا بلهفة قلب أم لا يعرف التعب.
واليوم...
كانت قطرات المطر تنساب فوق زجاجها في هدوء
، وكأنها دموع صديقة فقدت أعز اصحابها.
رأيت ملابسها ما زالت معلقة كما تركتها.
احتضنتها بكل ما بقي فيَّ من قوة.
بحثت بين طياتها عن رائحتها...
عن حضنها...
عن شيء يطمئن قلبي بأنها لم ترحل.
لكنني لم أجد سوى الفراغ حولي،
عندها...
انهارت كل مقاومتي.
بكيت بكاءً لم يسمعه أحد.
صرخات مكتومة، لم يسمعها سوى الله... وقلبي.
يقولون إن الأشياء جماد...
لا تشعر، ولا تحزن، ولا تعرف معنى الفراق.
لكنهم لم يدخلوا يومًا بيتًا فقد أمه.
لو أصغوا جيدًا...
لسمعوا الباب يحكي عن آخر مرة خرجت منها ولم تعد.
ولسمعوا الكرسي يشتاق إلى جلستها.
ولسمعوا الوسادة تروي آخر أحلامها.
ولرأوا فنجان القهوة يبكي، لأنه للمرة الأولى برد
قبل أن تمتد إليه يدها.
ولرأوا الحذاء واقفًا في مكانه، ينتظر صاحبةً لن تعود، ويرفض أن يصدق أن خطواتها انتهت.
ولفهموا لماذا توقفت الساعة...
ولماذا أصبح الصمت هو اللغة الوحيدة
التي يتحدث بها البيت.
وفي تلك الليلة...
لم أستطع النوم.
كنت أشعر أن البيت كله مستيقظ.
الباب ينتظر طرقًها الذي لن يأتي.
والساعة تخجل أن تعود إلى دقاتها،
وكأنها ترى أن الزمن غير مسموح
له أن يمضي بعد رحيل أمي.
والنافذة ما زالت تراقب الطريق، لعلها ترى خيالا يشبهها.
أما السرير، فما زال محتفظًا بانحناءة جسدها، رافضًا أن يستقيم، وكأنه يخشى أن تضيع آخر ملامحها منه.
عندها فقط...
أيقنت أن البيوت لا تحتفظ بالأثاث فقط...
بل تحتفظ بأرواح أصحابها.
وأن الأشياء لا تحب كل الناس.
إنها تمنح روحها لمن عاش معها طويلًا.
تحفظ أصواتهم...
ورائحتهم...
وخطواتهم...
وضحكاتهم...
ودموعهم...
وذكرياتهم.
وحين يرحلون...
لا تنساهم.
لذلك...
إذا دخلت يومًا بيتًا فقد صاحبه، وشعرت أن الحزن
يملأ أركانه دون سبب، فلا تتعجب.
فالأشياء أيضًا تعرف الفقد.
والبيوت لا تموت حين تُهدم...
بل تموت حين يغيب عنها من كان يمنحها الحياة.
لقد رحلت أمي...
ولم تأخذ معها الدفء والحنان فحسب...
بل أخذت نبض وروح البيت كله.
ويقولون إن الزمن يخفف ألم الفقد...
لكنهم لم يخبرونا أنه لا يمحو الاشتياق.
فالأم لا تُنسى...
وإنما نتعلم كيف نحمل غيابها في قلوبنا،
ونواصل الحياة...
بينما يبقى مكانها في البيت...
وفي الروح...
خاليًا...
لا يملؤه أحد.
ومنذ ذلك اليوم...
كلما عدت إلى البيت، لم أعد أشعر أنني أدخل منزلًا...
بل أدخل شوقًا ولهفة لا تنتهي،
لقد رحلت أمي...
فبكيت كثيرًا...
وبكت الأشياء معي على رحيلها.
بقلم،،عبيرجلال،،الاسكندرية
تعليقات
إرسال تعليق